الاثنين، 29 أبريل، 2013

بحث – فن الرواية - مادة – فنون النثر الأدبي الحديث والمعاصر (خولة محمد سليم الوهداني, الدكتور محمد أحمد القضاة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الجامعة الأردنية – كلية الآداب
قسم اللغة العربية – ماجستير


بحث – فن الرواية
مادة – فنون النثر الأدبي الحديث والمعاصر


خولة محمد سليم الوهداني
الدكتور محمد أحمد القضاة

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :- الرواية - هذا العالم الجميل المشاكل والمشاكس للواقع ، هذا العالم الباحث عن فضائل في الواقع يوازيه ولايتمثله بالضرورة ، يوهم به ، ويكسر حواجز الوهم ، يقتنع المتلقي أن ما حدث ، ويحدث في الواقع ، ولكن بطرائق مختلفة وأحيانا جدّ ملتوية ، لأن الراوي لا يكشف كل اوراقه ، بل يعتمد إلى إخفاء بعضها وإبراز بعضها الآخر ، والإيماءة إلى أوراق أخرى في لعبة سردية ، بات المتلقي ينقاد إليها طواعية ليدخلها مشاركا  سراد اللعبة ، وحكاية انتاج دلالات النصوص الأدبية والتمتع بآثارها الجمالية التي تصب في مصاب سحر البيان (1) .
والرواية من الفنون النثرية الحديثة والمعاصرة، التي ازدهرت في أدبنا العربي بسبب ازدهار الوسائط الجديدة كالطباعة والصحافة والترجمة والتعليم. ولقد تناولت في بحثي الرواية العربية _ مفهومها ونشأتها وأصولها وأنماطها، كما وقفت على بعض التجارب الروائية.
أجمع الكثير من النقاد على أن الرواية هي نتاج تواصل تاريخي متمازج من حركة الترجمة والمحاكاة والخلق والإبداع. وتعتبر الرواية الفن الأحدث بين انواع القصة والأكثر تطوراً وتغيراً في الشكل والمضمون بحكم حداثته .
تطورت الرواية العربية خلال القرن العشرين تطوراً ملحوظا واستقطبت اهتمام القراء والنقاد على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم . كما تنوعت أساليب كتابتها واختلفت أشكالها وتعددت أنواعها وتياراتها وصيغ تقديمها .
ما كان للرواية لتحتل هذه المكانة من الاهتمام داخل حقل الإبداع والفني والثقافة العربية المعاصرة بوجه عام لولا الانجازات الهامة التي حققتها على مستويات عدة تشمل القصة والخطاب والنص معا ، وترتبط ارتباطا وثيقا بنبض الإيقاع الداخلي للحياة العربية في ابسط صورها وأعقد تجلياتها فحملت بذلك أحاسيس الانسان العربي وانفعالاته وانشغالاته بقضاياه .
اليومية والمصيرية في مجالات السياسة والاجتماع وبكل ذلك حققت الرواية ارتباطا عميقا بمعاناة الإنسان ومكابداته وتطلعاته . لقد عرفت الرواية العربية

في تاريخنا القصير مقارنة مع الشعر ذي التاريخ الطويل ومع نظيرتها الغربية التي سبقتها الى الظهور ، تطوراً كبيراً سواء على مستوى الموضوعات التي عالجتها أو التقنيات والأساليب التي وظفتها في التعبير . هيأ لها هذا التطور المتحقق في مسيرتها القصيرة موئلا مكنها من ملاحقة تحولات المجتمع العربي الحديث ومن مواكبة صيرورته ، وجعلها بذلك تقدم بما لم تضطلع به أشكال تعبيرية أخرى ، همس الشارع وفوضاه وقلقه العارم ومختلف أحاسيسه وطموحاته لذلك لم يكن من الممكن أن تنفرد الرواية العربية بهذه السمات بالمقارنة مع غيرها من الأشكال التعبيرية ولاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين لولا جماليتها التعبيرية وأساليبها الفنية التي ظلت تتطور مع الصيرورة والتقنيات التي استخدمتها في تجديد عوالمها وهي تسعى الى مواكبة تطور المجتمع العربي وتحولاته (2) .
مفهوم الرواية .
1. الرواية- انطباع شخصي مباشر عن الحياة أو هي قصة خيالية نثرية طويلة (1)  .
2. مفهوم آخر- في معجم روبار (( هي نتاج تخيل يكون نثراً ذا طول كاف يصور شخصيات معينة تصويراً حركيا ويقدمها على أنها واقعية ويعرفنا بنفسياتها ومصائرها ومغامراتها .
3. في معجم لاروس- نتاج تخيل يكون نثراً ذا طول ما ، يسعى فيه كاتبه إلى شد الاهتمام بمغامرات ذات حظ من الخوارق وبدراسة اخلاق الشخصيات وطباعها وأحاسيسها وأهوائها ، وتكون هذه الشخصيات متخيلة وكأنها من الواقع (3) .
4. الرواية أثر نثري عادي يحتوي على أحداث متخيلة تمثل مغامرات نادرة في الحياة وفيها تحليل لمشاعر إنسانية (4) .
5. الرواية- قصة خيالية لمغامرات متنوعة (5) .

سمات الرواية الحديثة .
أ‌.       لها شكل أدبي سردي يحكيه راو -تختلف عن المسرحية التي تحكي قصتها من خلال أفعال وأقوال شخصياتها .
ب‌.   أطول من القصة القصيرة وتغطي زمنا أطول وفيها عدد أكثر من الشخصيات .
    ج. لغتها نثرية .
    د. قوامها الخيال فختلف عن السيرة (6) .
عناصر الرواية:
1.    الحكاية- 2. الأشخاص -3. البيئة والزمان والمكان -4. الحوار
الحكاية : أ. الموضوع (الفكرة ) – ب. الأحداث .
أ‌.       الموضوع : الرواية وليدة تجربة ، تلف مجموعة من الأحداث مرتبة ترتيبا متسلسلا ينتهي إلى نتيجة طبيعية ، وهذه الأحداث المرتبة ترتيبا تدور في موضوع عام هو التجربة الإنسانية ، وهذه التجربة الإنسانية هي موضوع الرواية ، ويمكن أن نقسم موضوع الرواية إلى نوعين :-
الأول - يتناول دراسة الإنسان في الرواية بوصفه (موضوعا) نموذجيا لطبقة من الطبقات ، ففي كل مجتمع أنواع من الناس ، وفي كل نوع أناس متشابهون فيما بينهم ، يتفقون في مصالحهم ، وأذواقهم ، وعاداتهم كما يتفقون في بواطنهم .
الثاني - يتناول الكشف عمّا يتميز به كل قلب في كل فرد ، وهو واجب القاص اليوم لأن الفرد أكثر تعقيداً في دوافعه وحيويه في اتجاهاته ، حتى ليستعصى تفسير جوانبه ببساطة ويسر .
ب‌.   الأحداث: يأتي اختيار الموضوع والشروع ببناء هيكل الرواية حيث يُشيَّد هذا البناء من مجموعة من الأحداث غاية في الرقة ، والترتيب والنسق والحركة والتغير ، وهي من أهم عناصره ، فهي التي توقظ التأثر والانفعال لدي القارئ والمشاهد والسامع ، وتزرع في مشاعرهم حب المتابعة لكي يفهموا نهاية الرواية ، وينبغي أن تكون الأحداث موحده بحيث (7) .

تحتوي على وحدات ثلاث هي أ. وحدة الحوادث أو الأحداث ، وتتمحور حولها جزيئات الحوادث الصغيرة لتكون حدثا أكبر فأكبر لتشكل الفصول ثم هيكل الرواية لترتبط كلها في النهاية بحدث واحد كبير تتفرع منه الأحداث الجزئية ، وهذا الحدث الكبير هو هيكل الرواية يحركه شخص ويحرك فروعه أشخاص يكونون بؤرة السرد الروائي .
ب. وحدة الحياة - وتظهر من خلال حركة الأحداث ولها خيوط تتجمع في نسيج منتظم بحيث يرتبط كل حدث فيه بما يقابله . وما بعده ويتأثر ويؤثر فيه.                                                                       ج. وحدة العمل الروائي وهي وحدة التأثير في القارئ أو السامع أو المشاهد بصورة منتظمة  في كل دقائق الرواية وأجزائها بحيث تثير الرواية وحدة متكاملة التأثير والقوة والبناء .
الحبكة في الرواية :هي تيار الحوادث المتسلسل المترابط برباط يشد الشخصيات التي تعمل على تقويته ، والالتزام به إلى نهاية الرواية وتنقسم الحبكة في الرواية من حيث النسيج  في تدرجها نحو الشدة أو الحل لمعرفة النهاية إلى أقسام هي :- 1_ العرض _ وهو بداية الرواية وربما يسرد فيها الراوي المعلومات التي يحتاجها ، واختيار الشخصيات ورسمها ، والتناسق بينها وقد يسرد الراوي بعض الخطوط العامة لبناء روايته من زمان ومكان وظروف اجتماعية وثقافية .
2_ الحدث الصاعد : وهو الانتقال من الرواية إلى عوامل الحركة الخلاف والصراع أو حتى بلوغ الأزمة ، ويقوم الراوي بتطوير الحدث حتى العقدة  بتركيز وتأن _3_ الأزمة ( العقدة ) وهي اللحظة التي تصل فيها الحبكة أي نسيج الأحداث ( أي إلى الحدث الرئيسي ) إلى أقصى درجات التكثيف والانفعال ، وهي نقطة التحول في الرواية ، وتعد بداية لتمهيد الحل حيث تصل الأمور إلى ذروة العقدة ، وهي الجزء الذي تصير فيه الأحداث في العقدة الى نقطة الانفجار حيث يظهر المقصود الذي ألفت من أجله الرواية
الشخوص في الرواية: الشخوص في الرواية مدار المعاني الإنسانية ومحور الأفكار والآراء العامة ، معظمهم يكونون من الواقع ولكنهم يختلفون عمن تألفهم ، والكاتب يخلق أشخاصه في خلقهم الواقع مستعينا بالتجارب التي عاناها هو أو أحد أقاربه أو أفراد أسرته أو لحظها .

وهو يعرف كل شيء عنهم ، ولكنه لا يفضي بكل شيء عنهم ، والشخصية هي العنصر الأساسي في الرواية ، وهي المحور التي تجري حوله الأحداث ، ولا بُدّ لهذه الشخصية أن تمتلك القوة والجاذبية والقدرة على تسخير كل ما يدور حولها من المواد والعناصر . والشخصيات في الرواية نوعان :
أ. الشخصيات ذات المستوى الواحد - ب. الشخصيات النامية .
والشخصيات ذات المستوى الواحد هي الشخصيات البسيطة في صراعها غير المعقد , وتمثل صفة أو فكرة واحدة وتظل سائدة من بدء الرواية حتى نهايتها . أما الشخصيات النامية فهي التي تتطور قليلا قليلا بصراعها مع الأحداث أو المجتمع ، وتنكشف للقارئ كلما تقدم في قراءة الرواية وتفاجئه بما تحمله من عواطف إنسانية معقدة .
البيئة والمكان والزمان:  بيئة الرواية هي الوعاء أو الواقع الذي تعصر فيه أو في أعماقه أحداث الناس (الشخصيات )  وتنسبح في منواله طبيعة الأحداث وفاعليها ، وقد تكون بيئة الرواية تاريخية ، أو حديثه سواء أكانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية . أو من نوع خاص كالبيئة البحرية أو حياة المدن الصناعية أو الأوساط الفنية ....... .
وقد تكون بيئة عامة مثل البيئة العربية أو الاسلامية أو العالمية  أو البيئة التاريخية ، وقد تكون بيئة محلية مثل عودة الروح لتوفيق الحكيم التي يصور فيها وعي الشعب العربي المصري وثورة الشعب المصري في زقاق المدق لنجيب محفوظ . صور فيها اثر الحرب العالمية على الشعب المصري (9) .
الزمان والمكان- هما حبكة للنتاج الروائي ورباط ترتبط به الحوادث والشخصيات وفي معظم الأعمال يكون الحدث مرتبطا بزمانه ارتباطا وثيقا لا يمكن فصله عنه ، فروايات نجيب محفوظ في المرحلة الأولى تصور صراعا اجتماعيا ونفسيا في مرحلة محدودة من تاريخ مصر ، فإذا جردناها من عنصري الزمان والمكان فإن حبكاته تفقد أسباب وجودها (10) .

الحوار- الحوار هو تقنية الفعل اللساني أو بمعنى آخر لسان النص الذي يعتمد على الفضاء المعرفي لدي الشخصية ، وهو وسيلة لقراءة وجهات النظر والكشف عن العمق الفكري لذهنية الشخصية ومستواها . والحوار هو وسيلة لإظهار المضمون بصورة غير مباشرة من خلال دلالات شعورية تصحبه وتفهم منه . وفي المشهد الحواري في الرواية نلاحظ انسحاب الراوي وإعطاء المشهد الفرصة في التعبير عن أدق أمور الحياة وتفاصيلها وأحداثها وصعوبتها ، ويمتد المشهد الحواري ليعطي الحلول لهذه المشكلة من الطرف الآخر ، فيأتي الحل لهذه الأزمة بالحوار (11) .
الرواية- النشأة- الأصول- التطور
لقد كان السرد منذ بداية التاريخ الشفوي والمكتوب فن الشعب الذي تختلط فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالأسطورة ، والمعرفة بأحلام اليقظة ولقد حفظت لنا الكتب المروية عن العصر الجاهلي كنزاً لا ينضب من الحكايات والقصص والخرافات والأساطير ، مثل كتاب التيجان لوهب بن منبه ، وكتاب أخبار عبيد بن شرية الجرهمي . فأعمال الجاحظ المبثوثة في كتبه المختلفة ، ومقامات بديع الزمان الهمذاني ، والحريري ، والوهراني ، وكتاب ابن المقغع (( كليلة ودمنة )) وألف ليلة وليلة ، وقصص المعراج والسير الشعبية وقصص العذريين والفرسان والصعاليك وعشرات الحكايات والخرافات والأساطير والأخبار والنوادر والطرائف وقصة حي بن يقظان كلها تدل على وجود الرواية في أدبنا العربي . (12)
وللحكاية تاريخ في كل امة ، والعرب من هذه الأمم التي كانت لها حكاياتها

في الجزيرة وخارج الجزيرة وأعطت وأخذت وعرفت التوراة والإنجيل ثم جاء القرآن الكريم وفيه (( أحسن القصص )) وألفت حكايات جديدة في المغازي والتفسير والمواعظ .(13)
ولقد صقل الأدب العربي بقوالب متعددة للتعبير عن القص مثل قال الراوي: ويَحْكى أنَّ وكان ياماكان وما إلى ذلك من المقدمات التي كان يبدأ بها القاص حديثه القصصي بل العرب كأمة اول مَنْ قالت يحكى أن وزعموا ومن النقاد مَنْ يرى أن العرب قد عرفوا هذا الفن وإن اختلف مفهوم القصة الغربية عنه لاختلاف خصائص حياة الغرب عن خصائص العرب وتباين الطبيعة الغربية عن الحياة العربية، لأن الفن إذا مانبع في أمة ظهرت معه مكونات أدبها وتطورها الحضاري، والمقومات الحضارية والجذور الثقافية ومن أشكال القصة عند العرب. القصة والرواية والنبأ والخبر والأسطورة والمقامة .
من تاريخ القصة عند العرب القدماء
1.    قصص عنترة من قصص الحرب والبطولة.
2.    قصة حي بن يقظان- لابن طفيل- تأثر بها ( ديفو ) مؤلف روبنسون كروزو.
3.    كتاب الإنسان والحيوان- لاخوان الصفا وخلان الوفا.
4.    كتاب الصدح والباغم- وهو منظومة على أسلوب كليلة ودمنة لابن الهبارنة (504) ه- تأثر به لافونتين.
5.    كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع......تأثر به كثيرون.
6.    كتاب (فاكهة الخلفاء) لابن عربي ت 901 ه ونحى منحى كليلة ودمنة.
رسالة الغفران للمعري -8-المقامات التي ابتدعها: بديع الزمان الهمذاني ت 398 ه وتبعه الحريري ت 516 ه، ثم الزمخشري ت 538، 114 ارَّخ بعضهم لظهور الفن الروائي على أبعد تقدير عن العرب في الربع الثالث من القرن الماضي مع رفاعة الطهطاوي في ترجمته لرواية فينيلون مغامرات تليمال (1867) ثم تطورت الرواية العربية اذ حمل الرواد اللبنانيون مشاعل الرواية العربية وبذروا بذورها في لبنان ثم حملوها معهم إلى تربة مصر ومضوابها إلى ما وراء البحار في المهجر البعيد.

زرع البذور الأولى في تربة لبنان الكاتب الرائد سليم البستاني سنة 1870م ونُعَدُّ روايته الهيام في جنان الشام أول رواية عربية قلبا وقالبا ومضى يحملها إلى مصر تلميذه سعيد البستاني الذي جعل (ذات الخدر) محوراً لمعماره الفني المتأثر بسليم البستاني سنة 1884م، كما شكل معماره سمير الأمير سنة 1896 على الشاكلة ذاتها، ثم أقبل جرجي زيدان، يوسع في أبعاد الرواية التاريخية التي اختلط لها مجراها.. سليم البستاني والتي مضى فيها في أول الطريق على النهج ذات جميل نخلة، الذي أدار روايته التاريخية (حضارة الاسلام في دار السلام) حول التنقل في البلاد العربية أيام هارون الرشيد، وقد اتجه جرجي زيدان إلى منابع التاريخ الاسلامي حيث مضى إلى قضايا هذا التاريخ أيام الدولة الأموية والعباسية والأيوبية. ثم انطلق إلى مصر الحديثة حتى بلغ ماكتبه من روايات التاريخ القديم احدى وعشرين رواية ابتداء من سنة 1891 حتى سنة وفاته. (15)

ثم ظهر الكاتب الواعي بثقافته الواسعة ذات الأبعاد الفلسفية ثم ظهر الكاتب الواعي بثقافته الاجتماعية المتيقظة وهو فرح انطوان، حيث كان مدرسة قائمة بذاتها ولاسيما بمجلته الجامعة التي صدرت سنة 1899 واستمرت حتى سنة 1909م، وكان صاحب اتجاه ومنهج اجتماعي ترجم رواية الكوخ الهندي ورواية بول فرجيني للفرنسي برنارد بن سان بيير ولقد كان من المعجبين بفرح انطون.. زوج أخته الروائي نقولا حداد ويشكل نقولا حداد وسليم البستاني وجرجي زيدان ثالوثا طويل النفس في الانتاج الروائي لا ينافسهم فيه أحد في هذه المرحلة التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى من حيث غزارة الانتاج. وقد طلع على الناس في أوائل القرن العشرين برواية (اللص الشريف) وكان من أشهر كتاب المسلسلات القصصية التي كانت تعتمد عليها صحيفة مساواة الشعب. (16)

ولعلَّ جهود الدكتور يعقوب صروف في مجال الرواية أن تكون ذات ذلالة كبيرة لأنه تجاوز إطار المرحلة من حيث المستوى الفني، اعتمد في كتاباته على الروايات التاريخية والاجتماعية ومن روايته فتاة مصر سنة 1905م ووايته فتاة اليوم سنة 1908. وليس من شك في أن إنتاج جبران خليل جبران ابن بلدة بشري حين ظهر في أول مجموعة قصصية له (عرائس المروح) في نيويورك سنة (1906) ثم الأرواح المتمردة وبعدها جاءت مجموعته الثالثة العواصف سنة 1910 ثم جاءت روايته (الأجنحة المنكسرة) سنة 1916م. وبذلك تكون هذه الرواية على قمة تجارب في المجاميع القصصية لفتت لجبران كثيراً من الأعين المتطلعة.
ومن بين الروائيين الذين ساهموا في تطور الرواية العربية أمين الريحاني في روايته خارج الحريم التي صدرت في نيويورك سنة 1915. (17)
ومن الذين مضوا إلى مجتمعات غربية عن الوطن العربي، وصدرت عنهم جهود روائية، الدكتور محمد حسين هيكل حين نشر روايته الأولى سنة 1914 وهي زينب. (18)

موضوع زينب يطرح الواقع من خلال قصة حب بطلها حامد، هو ابن لأحد المزارعين الاقطاعيين، وبطلتها (زينب) العاملة في المزرعة. وتشاء الأقدار أن تحب زينب ابراهيم العامل معها في المزرعة، وأن يتردد حامد في حبه بين ابنة عمه عزيزة وبين العاملة زينب، وتشاء الأقدار أن تتزوج زينب من غير حبيبها حسن، وتتزوج عزيزة ابنة عم حامد من أحد رجال المدينة، ويبقى حامد في حيرته ، وتبقى زينب تحن إلى مَنْ تحب حتى تصاب بمرض السل وتهلك بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1914، انتقل مشعل القصة إلى أيدي الكتاب المصريين، ورأينا اللهب يتوهج ويلفت الأنظار إليه تجمعت جمهرة من الأدباء والمفكريين كانوا يقدرون الفن القصصي فكانوا يدعون إلى التجديد في مختلف مناحي الثقافية فمنهم احمد ضيف- وحسين هيكل وطه حسين ومنصور فهمي وغيرهم.

ظهر طه حسين ككاتب قادر على استيعاب العوامل السياسية والاجتماعية في ثقافة ذات جذور عميقة بالإضافة إلى حسّٓـه الاجتماعي وادراكه للعوامل العالمية والقوميات والتيارات الإنسانية المتشابكة، ومن نتاجه الأيام- أديب- دعاء الكروان سنة 1941 وشجرة البؤس والقصر المسحور وأحلام شهرزاد، وكان من ثمار هذه المرحلة وزخمها توفيق الحكيم الذي وقف عند الخيوط الدقيقة التي تحيط به (فكتب يوميات نائب في الأرياف) و (عصفور من الشرق) و (عودة الروح) 1933 وتبقى هذه المرحلة قادرة على العطاء، فينظر فيها محمود تيمور في روايته نداء الجهول سنة 1933 وقد اهتم محمود تيمور بالتركيب الاجتماعي والنزاعات الانسانية، ومضى يرسم الشخوص ويصور العواطف ويصغي إلى اعترافات الضعف الانساني حتى كتب روايته (سلوى في مهب الريح).
وتتضح أمام كتاب هذه المرحلة مناهج التحليل النفسي فيحمل لواء هذا الاتجاه ابراهيم المازني فكتب (ابراهيم الكاتب) سنة 1931 وعالها شي سنة 1944 ثم صدرت رواية ثريا سنة 1966 لكاتبها عيسى عبيد، ثم رواية أخرى لطاهر لاشين وهي حواء بلا آدم سنة 1934.
اتبع اميل حبشي الأشقر خطوات كرم ملحم كرم فأنشأ صحيفة سنة 1969م أسماها مجلة الليالي. ثم نتج عن هذه المدرسة في لبنان (رواية النداء البعيد سنة 1939 لكاتبها أحمد المكي الذي يجعل محورها اختلاف الأديان وعلى قمة الانتاج الروائي لهذه المدرسة تقف رواية الرغيف لكاتبها توفيق يوسف عواد وقد صدرت سنة 1939م (20).
نطل على المجتمع السوري وهو لا يزال يتلمس دروبه الأولى ويخطو خطواته المتهيبه في الجهود الروائية فيبرز لنا معروف الأرناؤوط في روايته التاريخية سيد قريش 1929 ورواية عمر بن الخطاب التي صدرت سنة 1936 وفي حدود سنة 1920- 1920. كان الرائد القصصي في العراق محمود أحمد السيد 1903- 1907 في حوالي العشرين من عمره يحاول أن يكتب الرواية الحديثة فأصدر روايته الأولى (في سبيل الزواج) (مصير الضعفاء) والنكبات وجلال خالد.

ولا تذكر نشأة هذا الفن إلا اذا ذكر معها اسم كامل كيلاني الذي شرع يقدم قصصا مقتبسة أو مخرجة اخراجا جديداً بينها مصادر عربية ألف ليلة وليلة وقصص جحا. (21)
مرحلة تأصيل الفن الروائي أو مرحلة نجيب محفوظ- لقد انفتحت الآفاق أمام كُتَّاب هذي المرحلة، وتيسرت لهم الأسباب التي أعانت على التجديد ومسايرة الأفكار العصرية، واستشرفوا الانتاج الروائي، فخصص الزيات صحيفة خاصة لذلك وهي (الرواية) وقد أعدَّ نجيب محفوظ نفسه لهذه المرحلة منذ منطلقها، واتخذ الأسباب المؤاتية ليعيد صياغة الحياة في أدوارها وتطورها وتغيراتها من موقع معاصر يمكنه من وضوح الرؤية ولم يترك نجيب محفوظ حركة من حركات هذا المجتمع إلا رصدها وأدرك أبعادها. وقد استطاع نجيب محفوظ وفريقه، أن يقفوا في وجه شامخ أمام مرحلة طه حسين وتيمور والعقاد وتوفيق الحكيم وأحمد شوقي، واستطاعوا أن يقدموا صورة صادقة لحركة المجتمع المصري في العقود الأخيرة من القرن العشرين يضيفوا بعداً جديداً، وامتداداً فسيحا في مسيرة الجهود الروائية. لقد قيل بشأن نجيب محفوظ الكثير من ذلك ما جاء في العدد الخاص من الهلال الذي خُصصَّ لنجيب محفوظ سنة 1970م.
ونجيب محفوظ كاتب قومي كبير فهو مثل ديكنز الانكليز، وتولستوي للروسي وبلزاك للفرنسي، إنه يمثل هذا الكاتب القومي بالنسبة لنا نحن العرب على أن نجيب محفوظ لم يهمل فنه ولم يعتمد فيه على الموهبة فحسب بل أخذ نفسه بالشدة والجهد، وتابع كل التطورات العالمية التي حدثت في ميدان الرواية

والقصة واستفاد منها، وبذلك:- استطاع أن يكون كاتبا جديداً بالنسبة لثلاثة أجيال أدبية، ظهرت في حياتنا الثقافية منذ عام 1934. (22)
فمرحلة نجيب محفوظ ذات دلالة واضحة وواسعة وعميقة على الجهود الروائية العربية الحديثة.
فبعد أن قام المعمار الفني الروائي في الحياة الأدبية العربية مضت المسيرة في مختلف الاتجاهات، وفي مختلف البلاد العربية، وبدأنا نلتقي بنماذج ناجحة في هذه الجهود في الجزائر محمد ديب وفي السودان الطيب صالح. وفي فلسطين المحتلة أبو سلام وفي فلسطين المنفية سميرة عزام ،، وغسان كفاني، وفي سوريا جنا منيا، وقد تعددت المدارس الروائية وظهرت معالم التطور ومضى النهر الروائي يتدفق في الحياة العربية اصيلا معبراً عن هموم المجتمع العربي المتغير المتطور النامي الماضي إلى أمام، ولم تعد فنون الأدب العربي التقليدية بقادرة على أن تدحر هذا الفن او أن تضطره إلى الانحسار، وهكذا كان الفضل للرواد ومَنْ تبعهم ومَنْ تبع التابعين منهم فيما انتهت إليه الرواية العربية حيث بلغت أرقى صورها، وأصبحت ضرورة فنية من ضرورات العصر الحديث بل أصبحت دلالة على المعاصرة والتقدم. (23)
الرواية في الأردن: لمحة عن مسيرة الرواية الأردنية
لم تستطع الرواية الأردنية في أواخر العشرينات والثلاثينات والأربعينات أن تتعامل مع التشكيل الروائي بصورة فنية، ولم تتحول فيها العلاقات بين الشخوص والأمكنة والأحداث والأزمنة واللغة إلى علاقات جدية لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، ولقد كان الزمان فيها بعداً تاريخيا ولم يكن فلسفيا أو قضية تتلاحم مع سائر الأبعاد، وكان فيها المجتمع في علاقاته ساكنة أو مطلقة في وصف غير فني، وكانت السيرة فيها فيها سرداً أدبيا. كان الكتاب يظهرون قدراتهم البلاغية في الانشاء الأدبي دون اهتمام بالتشكيل الفني الروائي كانوا يضعون هذه القدرات في اطار تقليدي.
يزعمون أنه قص الروائي، حتى اذا أشرقت المسيرة على الرواية على أواخر الأربعينات والخمسينات والستينات تقدمت الرواية قليلا في مستوى الاطار الروائي، ولكن أبعادها الزمانية والمكانية والإنسانية واللغوية ظلت قابلة الانفصال، وظلَّ زمان كتابتها أسير الزمان الاجتماعي الساكن أو الزمن التاريخي بتتابع أحداثه وانفعالاته، وظلَّ إنسان الرواية أو كائنها يدور في مدار محدود لا يتجاوز فيه حدوث الحدث الروائي وظلَّ مكانها طرفا جغرافيا لا تقيم العلاقات الجدية بين الأبعاد الثلاثة (الإنسان والزمان واللغه). ظهرت محاولات روائية مثل (فتاة من فلسطين) لعبد الحليم عباس ومارس يحرق معداته لعيسى الناعوري وفتاة النكبة لمريم مشعل والقبلة المحرمة لصبحي المصري.

وجميع هذه الروايات كانت تحاول أن تقيم تشكيلا روائيا مشوقا وبنية روائية وصفية عاطفية انفعالية دون أن تبلغ العلاقات بين أبعاد الرواية حدود العلاقات الجدية بحيث يكون الإنسان قضية الزمان والإنسان واللغة.

حتى اذا زلزلت الارض زلزالها بالعدوان الإسرائيلي شغلت الرواية نفسها بالزلزال، فكان الحدث الأكبر قد ابتلع في بطنه أبعاد الأعمال الروائية وكان التكسير في الشخوص وفي الزمان والمكان وأساليب القص، الروائي هو الطاغي، شُغِلت الرواية بالزلزال، وأصبح الروائي يكلم نفسه فظهرت الرواية (أنت منذ اليوم) لتيسير السبول، ثم (الكابوس) لأمين شنار, (24) عمد الروائيون في الأردن إلى تثقيف أنفسهم وتعلقوا بالقيمة الكبرى التي يتمتع بها كاتب الرواية المثقف، وأخذوا يتجاوزون ذاتهم في المراحل التي مضت وأصبحت لهم رؤية ممتدة، وحرصوا على أن يقيموا واقعا فنيا موازيا للواقع الحياتي. وأصبح الروائي في عقد التسعينات لا يقبل على إبداع روايته إلا بعد أن يمتلئ ثقة برؤيته الفنية التي لا تتشكل تكراراً لما سبق مثل (امرأة الفصول الخمسة) لليلى الأطرش، وجمعة القفاري والذاكرة المستباحة لمؤنس الرزاز وشجرة الفهود لسميحة خريس، ومخلفات الزوابع الأخيرة لجمال الناجي سنة 1988م. (25) ونستطيع أن نقول: ان الانتاج الأردني بدأ بمحاولة تيسير ظبيان (أين حماة الفضيلة). وكذلك دور شكري شعشاعة في روايته ذكريات والبدايات الروائية هذه لا تشكل اللينة التي بنى عليها روائيون أردنيون في فترات لاحقة، والروائيون منفتحون على النتاج الروائي العربي والعالمي معا، وتأتي المحاولات التي تتمثل في فتاة من فلسطين وقصة دير ياسين لعبد الحليم عباس، وفي روايات حسني فريز(مغامرات تايئة) وحُبَّ من الفيحاء وزهرة الزيزفون وجنة الحب كمحاولات أولى.
تعد رواية فتاة من فلسطين لعبد الحليم عباس من الأعمال المبكرة التي تحتفظ بخصائص اصطلاحية عامة تميز فن الرواية، وقد تأثرت الرواية الأردنية بالرومانسية، ويظهر في روايات عيسى الناعوري التي ذكرتها سابقا.

اتجهت الرواية في الأردن نحو الواقعية منذ بدية السبعينات وقد تعددت ملامح هذه الرؤية وتراوح تشكيلها بين التسجيلية و الصورة النقدية والاجتماعية اذ ظهرت على أيدي مجموعة من الروائيين الشباب في السبعينات مثل رشاد أبو شاور ويحى يخلف، وفؤاد القسوس وطاهر العدوان وزياد قاسم ومن أعمال رشاد أبو شاور أيام الحب والموت وهي تصور الحياة الفلسطينية من خلال قرية (ذكرين) وماجاورها من النكبة، وتمثل رواية المتميز لحمد عبد نقطة التقاء بين عدد من العناصر منها فكرة لقاء الشرق بالغرب والافادة من أسلوب السيرة الذاتية.(26)
أنماط الرواية العربية
1.    الرواية التقليدية: وصفت الرواية التقليدية بأنها تصميم بعيد انتاج الوعي السائد، فمفهوم التقليدية يأتي وصفا لوقائع فنية محدودة ذات مواصفات معينة في بنائها وأسلوبها وهدفها، فالروايات التقليدية تتمثل بالتعليم والوعظ والارشاد وممثلوا الروايات التقليدية في الوطن العربي كثيرون، وأن الرواية التقليدية هيمنت، على حقل الرواية عقوداً زمنية متعددة ولم تفقد حضورها وهيمنتها إلا بعد أن استنفذت أغراضها وأدت دوراً ايجابيا لا يمكن انكاره على الصعيدين الأدبي والاجتماعي فالروايات


التقليدية مهمة بدلالاتها وان تكن فقيرة في بنائها ومحتواها، وقد أسهمت الروايات التقليدية فيما يلي:

أ‌.       إلانة اللغة تخلصت اللغة من قيود السجع والبلاغة الشكلية المطلوبة لذاتها ومالت بها نحو لغة نثرية عادية، ولكنها قادرة على الوصف والتجديد والتحليل والتصوير.
ب‌.  خلق قاعدة من القراء أي تأسيس جمهور من قرّاء الروايات يدرك أن الروايات تلبي له حاجه ضرورية، ويمكن اجمال الصفات النوعية للرواية التقليدية بما يلي: تبدو الرواية وسيلة لنقل الأفكار والعبر والعظات لا تصويراً لتجربة متكاملة. فالأفكار يتم استخلاصها بيسر وسهولة ويبدو الاهتمام بالوقائع أو الأحداث أكثر بكثير من الاهتمام بالشخصيات، ومع هذا تبدو الأحداث غير مصقولة فهناك تراكم للأحداث التي يربط فيما بينها بوسائل عدة مثل المصادفات أو القضاء و القدر أو تدخلات السارد المباشر وتبدو هذه الوسائل غير فاعلة بسبب كثرة الاستطرادات والانحرافات السردية والقفزات المتكررة عبر الأزمنة والأمكنة ، وتغدو الشخصيات وسيلة لا غاية فنية وكثيرا ما تتحدث بلغة الكاتب وتنقل افكاره وآراءه وهي لغة تتصف بالتقديرية وتدل على ثقافة الكاتب وسعة اطلاعه.(27)
2.    الرواية الحديثة: ظهرت الرواية الحديثة نتيجة لعوامل عديدة يمكن اجمالها بالقول، إنها تظهر تلبية للحاجات الجمالية الاجتماعية المستجدة من دون اغفال لأثر التراث من ناحية والمؤثرات الأجنبية من ناحية ثانية، ويدل ظهورها على مضي المجتمع قدما نحو مزيد من العصرية. والرواية الحديثة تعبر عن وعي فني متطور وتجسيد فعلي لمفاهيم أدبية ونقدية جديدة تتصل بوظيفة الرواية وماهيتها وصلتها بالواقع وعلاقتها بالمتلقي، فهي بنيه أدبية متميزة تتخلق نتيجة

للتفاعلات الأدبية والتفاعلات الموضوعية علاقتها بالواقع والتراث المحلي والعالمي، وعلاقتها بجمهور القراء، فالرواية الحديثة تسعى إلى التعبير عن العلاقات الاجتماعية والإسهام في خلق علاقات جديدة فهي تصور عن وعي جمالي، لذلك فهي لا تتمثل في الوعظ والإرشاد والتعليم بل تتمثل في تجسيد رؤية فنية ومن خلالها تتولد المتعة أو التشويق أو الجاذبية وأهم ما يميز بناءها التصميم الهندسي، والاعتماد على البداية والذروة والنهاية والترابط بين الأحداث والتفاعل بين الحدث والشخصية الذي يؤدي إلى نمو الأحداث وفق مبدأ السببية، كما يؤدي إلى تطور الشخصية وتناميها. وكل هذا يؤدي إلى التوازن في العلاقة بين الحدث والشخصية والزمان والمكان. وهو مايصف البناء بالتماسك والترابط والتدرج الفني وكثيراً ما يستخدم السارد ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب أو نلحظ تعدداً في الرواة وتنوعا في الضمائر، وبسبب اهتمام الكتاب بالجوهر والباطن فإن لغتها لغة ايحائية تصويرية بعيده تماما عن التقرير.
إنَّ ظهور الروائية العربية الحديثة يستند إلى أسس ومرتكزات أدبية وثقافية واجتماعية وسياسية وحضارية، وكذلك تراك الخيرات الفنية والأدبية، وتطور الوعي الجمالي والتواصل مع التجارب الروائية الأجنبية، كما يمكن للمرء أن يقف عند المد الفكري والنهوض القومي والثقافي والسياسي في الخمسينات والستينات إلى نضج الحركات الوطنية، ونجاح بعض حركات التحرر في العالم إلى تحقيق أهدافها، كل هذه العوامل أدت إلى الاحساس بضرورة التغيير والتغير. (28)
3.    الرواية الجديدة- كانت هزيمة عام 1967م هي بمنزلة الحد الفاصل بين مرحلتين في الوطن العربي فمع الهزيمة سقطت قيم كثيرة، فجاءت الهزيمة تعبيراً حاداً وصارخا عن تفسخ الايدولوجيا السائدة، وعن هزيمة الأبنية الحزبية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية فالهزيمة أحدثت خلخلة في هذه الأبنية ومنها القيم الفنية.

كما جعلت الشخصية المحلية تهتز من جذورها. هذه العوامل وغيرها هيأت المناخ الملائم للتمرد على الجمالية الروائية المألوفة وإبداع شكل روائي جديد بعناصره وبنائه وتفاعلاته الذاتية والموضوعية، وفلسفته وقيمة الفنية التي يسعى إلى تجسيدها. أدت إلى مفهوم جديد في الرواية سميت الرواية الجديدة وهي مفارقة للرواية الحديثة مبنى ومعنى فقد أطلق عليها تسميات عدة منها رواية اللارواية والرواية التجريبية والرواية الشيئية ورواية الحساسية والرواية الجديدة الطليعية ويبدو أن تعداد المصطلحات أن الرواية الجديدة لا تندرج في أفق محدد ووحيد لأنها بطبيعتها البنائية وفلسفتها وهدفها تتمرد بحزم ضد هذا التحرير أو التصنيف وفي ظل تفتت القيم واهتزاز الثوابت وتمزق المبادئ والمقولات، وتشتت الذات الجماعية وحيرة الذات الفردية وغموض الزمن الراهن، وتشظي المنطق المألوف تصبح جماليات الرواية الحديثة وأدواتها غير ناجحة أو ناجعة في تفسير الواقع وتحليله، وتصبح الحاجة ماسة إلى فعل ابداعي يدعو إلى قراءة مشكلات العصر قراءة تحليلية. فظهرت الرواية الجديدة، وأصبح الروائي الجديد يتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة بل يعتمد مخاطبة القارئ أو محاورته، كما يتقصد التعليق والشرح ليحطم مبدأ الايهام بالواقعية، وتلاحظ الانحرافات السردية المتكررة المتعمدة فهناك انتقال من حدث إلى حدث، فيتكسر التسلسل الزمني وتتداخل الأزمنة وأحيانا تختفي وكذا المكان، ولا يتصف موضوع الرواية بالوحدة أو التناغم أو التجديد، ولغة الرواية ليست واحدة فهناك مستويات متعددة، والشخصيات مجرد أطياف أو أسماء أو حروف مثل (س و ص) أو ضمائر، ولكن لا يعني هذا أن الرواية الجديدة بلا شكل، بل يعني أن الشكل هنا ليس قالبا جاهزاً يلقة على التجربة فيحتويها بل شيء ينمو من التجربة ويخضع لمتطلباتها.. أن المؤلف يمارس تجربته ولا يعرف هويتها الأخيرة ولا يتطيع ان يتنبأ في النهاية، ومن ثمَّ فإن الصفة الرئيسية لهذا الشكل أنه تجريبي يخلقه كل من المؤلف والقارئ. (29)

أشكال الرواية العربية وتصنيفاتها:
اتخذت الرواية العربية اشكالا وتصنيفات متعددة، مثل الرواية العاطفية أو الغرامية أو الرواية الاجتماعية أو السياسية، أو رواية رمزية أو رواية تاريخية.
فالرواية باعتبارها سرداً، تحتمل في بعض الأحيان مثل هذه التصنيفات فنقول إن الرواية واقعية واجتماعية اذا كانت تتجنب التاريخ المدون وتتناول الواقع من زاوية الحياة اليومية الاجتماعية.
أما بالنسبة للرواية الرمزية فإن الرمزية هنا لها معنيان، فهي قد تكون رمزية من حيث أن المؤلف لا يبث أفكاره ورسائله فيها مباشرة بل عن طريق الرمز، كما يقال مثلا: أن الخزان في رواية غسان الكنفاني رجال في الشمس يرمز لحاضر الفلسطينيين بعد عام 1948 وأن السائق أبا خيزران يرمز للقيادات التقليدية المتخاذلة. والمعنى الثاني هو اعتماد الرواية على شكل رمزي يخالف مبدأ محاكاة الحياة اليومية للناس. وقد عُرف في الأدب الغربي بتعبير (Allegora) الذي عربه بعضهم بكلمة (الغورة) وهو الذي يقوم على ألسنة الطير أو الحيوان كمزرعة الحيوانات (الأوريل) التي تتأثر بها اسحق موسى الحسيني في (مذكرات دجاجة).
ويلجأ بعض كتاب الرواية إلى كتابة سيرتهم الذاتية، أو لكتابة سيرة شخص آخر هو بطل الرواية وراويها الذي يسرد الحكاية ويروي الحوادث من الكتاب الذين اشتهروا بكتابة سيرتهم على هيئة رواية حنامينا في عدد من روايته منها بقايا صور، والمستنقع، والياطر، وقد يلجأ الكاتب إلى كتابة السيرة بأسلوب روائي مثلما نرى في البئر الأولى لجبرا ابراهيم جبرا التي يقص فيها سيرته حتى بلوغه التاسعة من عمره.
وهنال نوع آخر من الرواية يعزف فيها المؤلف عن محاكاة الواقع، متجاوزا القوانين الطبيعية إلى قوانين الفن الخيالي، فقد يجمع في الرواية الواحدة بين شخصيات من بني الناس وأخرى من العوالم الخفية كالمردة أو الجان أو الأساطير أو الطير أو الحيوان. وقد يتخطى بحوادثها قواعد الزمان وإمكانيات الفضاء والمكان. فتكون الحبكة مما لا يتطلب العلائق المنطقية التي يمثلها قانون الاحتمال أو قانون الضرورة. مثل رواية ربيع جابر (كنت أميراً) وراوية سلطان النوم وزرقاء اليمامة لمؤنس الرزاز، وابرز ما في هذا النوع من الرواية

أن القارئ يقبل بما يروى له، ويسرد عليه، باعتباره ضربا من التخييل الذي يتضمن الغريب والعجيب وليس المحاكاة التي تتضمن المثيل أو الشبيه. (30)

الرواية التاريخية: إنَّ الرواية التاريخية تُبنى على التاريخ، وتتشكل فيه، وتضيف عليه، وتختزل منه وتتصرف فيه، ولكنها ليست تاريخا لانصراف كل لون، بما يسَّر له إلى مهامه المتفق عليها أصلا، كما أن الرواية التاريخية ليست اعادة كتابة للتاريخ بل إعادة تدوين الماضي على نحو جمالي لا حيادي يركن إلى نص تاريخي تحسبه غير مكتمل، فالتاريخ دال والماضي مدلول، والتاريخ هو رؤية المؤرخ، أما الماضي فهو ما استرعى انتباه المؤرخ فكتبه تاريخا، وخلب لب الروائي فكتبه رواية بعد أن ثبت وقرَّ في أذهان الناس ثم سارع هذا الأخير إلى استبضاع معاملة أو محاكمته أو تلخيصه أو تصويره أو استحضاره، إنه الاستشراف سواء أكان نحو الأمام أم للخلف ؟ إنَّ الرواية التاريخية هي استثمار للتاريخ.
أن الانصراف إلى القول إن الرواية التاريخية جسد منفصل عن التاريخ قول يجب ألا نقف عنده، فالتفريق أو المقارنة بين التاريخ والرواية التاريخية أمر بات لا يقدم كثيراً في أي قناعة منهجية فاعلة أما كيف تلهج الرواية بالتاريخ ؟ وما موقف الرواية من التاريخ ؟ فهذه تساؤلات باتت في عداد المفقودين، إن الرواية أمست سيدة الألوان والأجناس. (31)
وهذه السيادة لا تنبع من حلولها في نفوس المتلقين فحسب ولا تنبع من تفوقها على الشعر في زماننا، بل ان الرواية لون ما عاد يوقف نهمها لون آخر، ففي مواقف كثيرة سلبت الرواية الشعر أدواته وتسلحت بسلاحه وسرقت متلقيه ورواده على حد سواء، والرواية نهلت من التاريخ نتائجه، وحققت في مسلماته، وأكملت ما سكت عنه

التاريخ، وصححت مازيفه وقد استفادت الرواية من نظريات علم الاجتماع وعلم النفس والانثرويولوجيا، وحللت وقيمت كثيراً من الأحداث والشخصيات كما ان الرواية رسمت للناس مستقبلهم، وقرَّبت البعيد، وأفادت من قفزات الإعلام المتسارعة فأخبرت، واستشرفت وتنبأت وانتقدت وحللت وحاكمت فكل مافي الحياة هو من اهتمامها فالنفس والمجتمع والمشاعر والتاريخ والماضي والحاضر من الحياة، فالرواية فن كتابة الحياة دون ممنوع والتاريخ أرفد الرواية . وغذاها بمادة حكائية لا تنضب.
أن ظهور مسمى الرواية التاريخية دون بروز مسميات أخرى فله ما يبرره اذ أن تأثير الرواية في التاريخ تأثير يتجاوز المضمون إلى الشكل، فالتاريخ يرفد الرواية بالمادة الحكائية التي يملكها التاريخ بل أن خدماتها لا تتجاوز مستوى الأدوات التي يوظفها الروائي في عمله، إنَّ التاريخ يمتلك صلاحيات أعظم لأنه السرد الأكبر والرواية تابعة متمردة عليه، ومن هنا تبرر خصوصية هذه التسمية الرواية التاريخية (32)  إن مصطلح الرواية التاريخية مصطلح شكلي قبل أن يعطي دلالته المضمونة البارزة فيه، يسيطر فيه الخطاب الروائي سيطرة احتوائية وينشغل فيه الخطاب التاريخي انشغالا مضمونيا نيصاع فيه إلى تشكل الخطاب الروائي أكثر من ينصاع إلى قانون التاريخ وأصوله.
تُعد الرواية التاريخية سرداً لأحداث تاريخية مثبتة بقصد اعادة

استيعابها وتجديد عرضها، والرواية التاريخية تعتمد فترة زمنية محددة تسلط الضوء عليها، فمن منطلق تاريخي ليس لمادة الرواية التاريخية بداية لا نهاية لأن التاريخ هو زمنها، وكتابة الرواية التاريخية هي تعبير عن مواقف ورؤى للعالم بشكل مختلف لا يمت بصلة إلى الكتابة بطريقة يفهمها القارئ مباشرة. والعودة إلى الماضي لا تنتج دائما رواية تاريخية إنها عودة مشروطة بمحددات ترسم ملامح هذا اللون السردي من الروايات.يصف لوكاتش الرواية التاريخية بأنها تثير الحاضر ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق بالذات.
تتناول الرواية الماضي بصورة خيالية يتمتع الروائي بقدرات واسعة يستطيع معها تجاوز حدود التاريخ. لكن يشترط أن لا يستقر هناك لفترة طويلة إلا اذا كان الخيال يمثل جزءاً من البناء الذي يستقر فيه التاريخ. والشخصيات التاريخية نوعان: شخصيات صرفة عاشت حقا وأثبتها التاريخ على نحو معين، والثاني شخصيات تاريخية متخيلة يفترض الروائي أنها كانت موجودة. والنوع الأول يشكل عبئا كبيراً على الروائي. أما الثاني فهو متعة الروائي، وانقاد له من التبعية التي تفرضها شخصيات النوع الأول.
أما عن اللغة التي يوظفها الروائي في الرواية التاريخية فلا يفترض أن تبتعد عن اللغة المعاصرة حتى لو كانت تعالج فترة زمنية ضاربة في القدم. وهذا لن يؤثر على المصداقية الفنية التي يرجوها الروائي. (34)

أنت منذ اليوم- تيسير سبول
تحليل رواية تيسير سبول- أنت منذ اليوم وهي الرواية الوحيدة له ولكنها تمتاز بأنها نموذج للرواية الأردنية المتناسقة فنيا ومضمونيا. وُلِد تيسر سبول في الطفيلة في أسرة متوسطة الحال، تتكون من خمسة اولاد وأربع بنات هو أصغرهم سنا، وكان والده يعمل مزارعا

أسوة بغيره من أُسَر الطفيلة، تميز تيسير السبول بشخصية قوية وبسرعة البديهة والذكاء والاحساس المرهف مما جعله محط أنظار اساتذته واصل دراسته المتوسطة والثانوية في مدينة الزرقاء بتفوق رغم أجواء القلق والحزن جرَّاء سجن اخيه شوكت السبول بسبب آرائه السايسية حصل على منحة دراسية إلى الجامعة الامريكية في بيروت لدراسة الفلسفة لكنه لم يكمل دراسته فيها. درس الحقوق في دمشق والتي ظهر فيها تيسير كشاعر يكتب في المجلات الشهرية في دمشق وبيروت توقف السبول عن الكتابة لفترة وجيزة متأثراً بما يدور حوله من هزائم ونكسات.

وكانت هزيمة حزيران صدمة قوية هزته كثيراً فبكى الهزيمة دون انتظار للعزاء. أقدم على الانتحار بطلق ناري في 15-11-1973م في أعقاب تشرين ولقاء المصريين والاسرائيليين عند خيمة الكيلو (101) اذا كانت الرصاصة التي حطمت رأس تيسير سبول في ظهيرة يوم خميس تشريني عام 1973م، لم توقظ الموتى على حد تعبير زوجته الدكتورة مي اليتيم، فإنها أنهت حياة شاعر وروائي أردني متميز.

الرواية- أنت منذ اليوم- تيسير السبول
مشهدان لقطة عالقان في ذهن (عربي) الأول القطة التي قتلها والده اذ سمع عربي صوت تنفسها مختلط بسائل الدم، وقد انتفضت انتفاضات واسعة وسريعة، واستلقت وجنتها على الأرض، نفض أنفها مزيداً من الدم ثم سكنت، عيناها ظلتا مفتوحتين. تحدث عربي عن مصرع القطة لصديقه صابر. كان صباح اليوم التالي رأس القطة مفصولا عن جسدها ومسلوخا، سرد لصديقه قصة الخناجر الستة والحزام الجلدي العريض الذي يثنيه أبوه عندما يضرب زوجاته به ليكون أشد وقعاً. تساءل عربي ؟ من الذي سلخ جلد القطة ؟ عن رأسها ؟ كان ذنب القطة أنها التهمت قطعة من اللحم كانت الأسرة تتهيأ لتناوله. قال عربي: مّنْ يدرينا لعلها أطعمت أخواتها أو أطفالها.
عندما وقعت الهزيمة. لم يفهم قال: هذه ليست هزيمة بل شيء آخر اذ ذاك تذكر قطة، رآها مدهوسة في عرض الطريق، الدم على أذانها

وجانب من وجهها وهي تتحرك داخل دائرة لا يزيد قطرها عن متر، وعيناها في الوضع نفسه وتظل تدور لم يدرِ ماذا كانت ترى وماذا كانت تريد.

ترتبط صورة القطة المقتولة والقطة المدهوسة في ذهن عربي ارتباطا وثيقا. القطة الأولى تمثل قساوة الفرد نحو الأحياء. والقطة المدهوسة تمثل الأمة العربية بعد الهزيمة. لم تمت القطة وإنما ظلت تدور.

سمع عربي المذيعين نيد دون بصانعي المؤمرات، ذكروا أسماء كثيرة قال عربي: طبعا كلهم فاسدون وسُرَّ اذ وجد المذيع يقول يقول: إنه في مكان ما من العالم قام أناس بذبح حكامهم وأن بعض الجلود سُلِخت سُرَّ عربي بذلك، عاد المذيعون يقولون: ان الذين ذبحوا أعداء الشعب سابقا هم أنفسهم أعداء الشعب، وأن جلود رؤوسهم جديرة بالسلخ.
اعتقد عربي أن هذا أمر سخيف، وقرأبيتا من الشعر لشاعر مشهور من شعراء الحزب يقول: سنصنع من جماجمهم منافض للسجاير. قال عربي: إن التفكير بمنافض من هذا القبيل أسوأ كثيراً من سلخ رأس قطة وأكدَّ لنفسه أنه لا يريد لنفسه منفضة مصنوعة من جمجمة سواء كانت جمجمة شعوبي أو سواه، فهو لا يحب الجماجم عموما.
يتربع الجنرال داخل جمجمة. كان بوسعه أن يحل عقدة عينه، ويمد رجليه ويستريح، يستريح ليس في بيته ولا في مكتبه العسكري، المتحف المرصع برسوم النصر، بل داخل جمجمة وكان بوسع الجنرال أن يعرض على الملأ رباط عينه الأسود، وأن يسخر من العيون السليمة ويقرر بأن الأصل في العيون أن تكون عوراء، ولم يكن هناك صوت يناقشه، تتجمع صور القطة المقتولة والقطة المدهوسة، والجلود المسلوخة والمنافض المصنوعة من الجماجم لتقول شيئا واحداً واضحا: اضطهاد الأحياء، اذلال الزوجات امتهان أجساد الخصوم تؤدي كلها إلى نهاية واحدة: الهزيمة عندما آراد الجنرال المنتصر أن يحتفل بانتصاره ترك بيته ومكتبه العسكري، وقبع داخل جمجمة. الشعب العربي. لم تكن الجمجمة من صنعه بل وجدها، قدمتها له هدية أنظمة تؤمن بالقتل وفصل الرؤوس والسلخ. يستعرض عربي كل صور الظلم وتقفز في ذهنه على الفور صورة شعبية فيقول: ((طاف رجل معظم بلاد العالم ورأى كثيراً من الكوارث إلا أنه لم ير شعبا بأكمله يغرق

في الحزن مثل شعبي)). وبعد رحيل الزعيم، كفَّ خطيب مسجد الجامعة عن مهاجمة الاشتراكيين والملحدين، وكرس خطبه لمهاجمة ملابس النساء ومسائل أخرى تخصصية.

وضع عربي في خياله الإمام على كرسي رئاسة الجمهورية فتقلقلت الصورة وتشوشت.

صعدت عائشة إلى الغرفة العلوية حيث يسكن عربي، كان أبوها يضرب عليّا ويصيح خليني أذبحهَ! قال عربي لعائشة ادخلي يا حلوة أحضرت لك شيكولاته. سألها لماذا ضرب أبوها علي ؟ اتهمته بالتخابث عاد يسألها هل كنت تصعدين لهذه الغرفة ؟ زمَّت شفتيها بغضب فنسي عربي أخاها وزوبعت رائحتها في جمجته، وكان علي يصرخ احتجاجا على ضياع شرف أخته قال علي: وهو يتحدث مع عربي أنا لم أفعل شيئا ؟ لماذا يزعجك شرف اختك إلى هذا الحد ألم تفقد أنت نفسك ماهو أكثر ؟ عليهم يا صديقي أن يؤجروا الغرفة وإلا كيف ستذهب إلى المدرسة يا علي ؟ تصادف أن لأسرتك عائشة وكان لابدَّ أن تصعد إلى الغرفة العليا وهم لم يفعلوا أكثر من كسب بعض الليرات الإضافية أما هي فصاعدة للغرفة في كل الظروف. أليس من حقك الاَّ تشقى لمثل هذه الأمور ؟
فيما بعد يسكن غرفة أخرى من البيت واحد من اللاجئين السياسيين، تغير عائشة موقفها من عربي، وتتجه إلى الساكن الجديد. تبدي الصور المتعاقبة حال المرأة بوضوح فهي مضروبة ومباحة ومستباحة. موضوع مزايدة. هذا الوضع المتدني سببه الفقرفي في المحل الأول، ولكنه سببا رئيسيا فيه هو أن الشرف العام قد استلب ومن ثمَّ لم يعد للشرف الخاص معنى حالة من التحلل الخلقي تشمل الجميع.
شريط ثالث من الصور ترويه (أنت منذ اليوم) وهو خاص بمواقف الناس من الايدولوجية والكفاح. يدعى عربي لحضور حفل للحزب فيقول: أنه يكره أن يذهب لأنه سيرى الشعراء الذين يضربون الأرض بأرجلهم فالاستعمار في الحقيقة ليس تحت أرجلهم. ومع ذلك يتقدم عربي للانتساب إلى الحزب. يذهب وهو في بنطال صغير لا يتناسب مع جلال الموقف. سمع لكلمات الاطراء لشخصه، ولكلمات كبيرة تصل ببنطاله القصير وبين الأمة بأكملها. قال عربي لنفسه: أحب أن أحمل وشم دولة عظيمة

ب.أن تقبل التهاني والعمل بالكراسات الحزبية، صار يضجره، لا معنى لتوزيعها لكل اسبوع- يسقط الاستعمار نعم ولكن كيف لا تذكر الكراسات ... لم يقل لرفاقه ذلك. لم يقل لهم أنه يتعامل مع شخصيات قديمة ميتة. عرف أن هذا سوف يضحكهم واقرَّ بأن أحب الأصدقاء إلى نفسه هم من خارج الحزب. يضجر عربي من الحزب فهو زائف، حين تغلق الاجتماعات الاسبوعية وحين لا يجتمعون حتى مرة في الشهر يقول عربي لنفسه الأمر هكذا أفضل ويقول أديب: أخي الأزمة أزمة ديمقراطية اسرائيل والاستعمار قضية ثانوية- الازمة هنا في الداخل الديمقراطية ويحدث انقلاب فيعلق عربي مَنْ ذبح مَنْ ؟ مَنْ يريد أن يحكم مكان مَنْ ؟ قال الانقلابيون انهم ليسوا ضد الزعيم بل ضد الحاشية المستغلة هلل بعض الطلاب وذم بعضهم بعضا، وأخذوا يهمسون (مسخرة). خدعهم في الشوارع حمل البعض صورة الزعيم وساروا يهتفون: هكذا علمنا الزعيم وغيَّر الانقلابيون رأيهم وقال إن الزعيم ديكتاتور لا يرجى صلاحه ففرح بعض الشعب وابتأس بعضهم وصمت كثيرون. قال المذيع للناس لا تحزنوا ووعدهم بوحدة صحيحة تقوم بين العرب ... لم يصدق البعض فبكى ما استطاع.
مثل عربي أمام مسئولي الحزب هل تنكر مالقي حزبنا من اضطهاد وما بذل من تضحيات في سبيل الهدف الكبير ؟ قال عربي: انه لانيسى سألوه هل تنكر اخطاء الديكتاتور ؟ لم ينكرها فطالبوه بأن يؤيد موقف الحزب قال: لا أدري. لا أظنه سألوه ألا تثق بأهداف الحزب ؟ قال: لا أدري قال لهم: إنه لم يعد قادراً على خدمة الحزب، ولو بقى معهم لكان يخدعهم قالوا: أنت شريف، ولم تخدع طوال تاريخك الحزبي تأمل عربي نفسه أين هو تاريخه الحزبي.
لم يشارك في ضرب الشعوبيين حتى حين كان ضربهم نوعاً من التسلية. لم يقل لهم هذا وإنما تمنى لهم التوفيق وقال: لا يملك إلا أن يتركه.
يَقْبل عربي في الحزب رغم حداثة سنة الظاهر وتُضَخَّم أهميته عمداً ويتجاهل رجال الحزب انعدام ماقدم للحزب من خدمات، ويتحدثون عن تاريخه الحزبي الطويل، ويغضون الطرف عن انعدام حماس عربي للحزب. يقول: للشاب الأصلع المتهوس الذي سكن معه أحد فنادق الدرجة الثالثة

أنه قليل الاهتمام بالسياسية والزعماء جميعا لم يقل له حينما نزل العسكر بخوذاتهم الفولاذية ووجوههم المطلية بالأسود، فيرشقهم الناس بالحجارة ويرشقون هم الناس بالطلقات وتسقط اللافتات ويهرب الناس متفرقين ويتمدد منهم مَنْ سقط في المعركة. والناس كما يظهرهم شريط الصور يفرحون ويحزنون ويختلفون ويمرضون حزنا على ما يجري من أحداث ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا هذا كله ويشفى المرضى من أمراضهم. يحاول عربي ان ينتحر، يضع الحبوب في كأس، ويهم أن يشرب فيشعر أنه معدته تتكوم متحجرة في رأس صدره وتتصلب يده تماما.
كانت مذلات التاريخ والأحداث قد مرَّت بعربي الواحدة تلو الأخرى، مرَّت معزولة تافهة، فلم يبكِ عربي، في لحظة واحدة نفضت خياله صور كل مذلات التاريخية. يبكي عربي ولكنه لا يدري ما الذي يبكيه انتحب وسمع صوته المتقطع الأكثر جراحا من أية قطة فها له الأمر. وكان يسأل نفسه شعب نحن أم حشية قش يتدرب عليها هواه الملاكمة. قال: معلم التاريخ لعربي وتلاميذه: إن فترة ما بين القرن الخامس والعشر الميلاديين تسمى عصور الظلمة ومعنى هذا أن هناك عصوراً مضيئة هي مصدر الفخر للإنسان، أي أنه كان هناك نور وانطفأ خمسة قرون ثم عاد واشتعل وهذا مصدر فخر لعربي ليس لعربي وحده، ولكن لشعب بأسره انتدب ليحارب من أجل أن يظل باقيا لذلك الزمن الغريب الذي تصوره عبارة الفترة الممتدة بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين هي المعروفة باسم عصور الظلمة، ينفخ الجنرال صدره رأى عربي عينه فاحتقره، رأى شعبه في الصحراء جنوداً هائمين عطاشى، وراى جنود الجنرال يلوحون بالماء ثم يخفونه ويضحكون، رأى شعبه يسقط باسط يديه على الرمل الحار فأحبه حُبَّا عذبا، لا يفوقه القوة المرة التي أبداها لنفسه ولشعبه خلال الشهور الطويلة المظلمة. إنه الشعب الذي وضعت الأقدار على عاتقها أن يبقى نور العصور المضيئة ساطعا.
الشعب منذ اليوم قد أضاء أمامه الطريق
بالصورة وبالسخرية المبطنة من الذات ومن الغير (تحكي رواية أنت

منذ اليوم. حكاية شعب تحالف عليه الوضع المتدني والفقر، وظلم الأحزاب والزعماء ومؤامرات الداخل والخارج، والعدو الشرس الذي يتربص الواقع والأمل المنشود. وتبين أن الأفراد يرتفعون إلى المكان السامي اذا ماهم ارتبطوا بقضية عامة، ويهبطون إلى درك الخسة اذا ما فقدوا هذا الارتباط.الإنسان مزاج من الخسة والبطولة، ولكنه لدي المهم من الأمور يستحيل كائنا آخر، عربي اللامبالي ظاهراً، الذي لا يؤمن بشيء ولا يتحمس لشيء، الذي يسب شعبه في المراحل الأولى من الهزيمة ينفض عن نفسه كل مظاهر السلب والتخاذل ويدفعه الحماس إلى الالقاء بنفسه في أحضان شعبه المكسور المُضَيَّع فعليا صورة النور الذي يراه أضاء طريقة وطريق الناس، اذ ذلك لا يعود يرى القائد الأعور المنتصر إلا جسما أجوف صغير الشأن كذبابة، بل قذر ايضا كذبابة.المنتصر مهزوم وهو لا يدري والمهزوم تنفتح أمامه طاقة النور بهذا يتحول عربي تحولا كاملا نحو تقبل المسئولية، ويبشر وسط الظلام بقرب طلائع النور.

هذا عمل فني جميل زاخر، وواعد، شديد الصدق، شديد الثورة، على الأوضاع المتردية، شديد الحب للناس، شديد الرغبة في التحول شديد الإيمان بامكانية التحول، وهذا هو نهج الفن الإنساني العظيم(35)

اعتبر النقاد رواية تيسير السبول ((أنت منذ اليوم)) علامة على مرحلة مهمة في الرواية في الأردن، وتظل تشكل بداية مرحلة تأسيس الرواية الحديثة في الأردن.
تعتبر رواية تيسير سبول رواية جديدة في بنائها وأسلوبها ولغتها وهدفها، وتعد من علامات الطريق في مسار الرواية العربية اذ امتازت بأمرين لابد من توافرها معا تحت هذا الامتياز نضع أمرين:الأول تصوير

أزمة من أزمات وجودنا المعاصر. والثاني أنها تضيف جديداً على صعيد البنية السردية أو الشكل.
ويبدو أن ((أنت منذ اليوم)) تدحض المفاهيم القائلة إن الرواية الجديدة مناقضة للرواية ((الواقعية)) بل لعلها تؤكد- من ناحية ثانية- أن الرواية الجديدة أو أي رواية مهما كان شكلها أو لونها أو بنيتها، لا يمكن ان تكون فوق العلاقة بين الإنسان وعالمه أو وراءها بصورة مطلقة اذ لابد لها- وللأدب عامة- من أن تعبر عن هذه العلاقة أو تسهم في خلق علاقة جديدة أو تحلم بإقامته. ومن هذه الزاوية تبدو الرواية ((أنت منذ اليوم)) تجسيداً عمليا لمقولة ((الأدب رؤية)) فهذه الرواية تكشف من خلال بنيتها السردية الجديدة- العلاقات الخفية بين الظواهر والأشياء التي قد تبدو في الظاهر والواقع المعيش- متباعدة أو متنافرة أو مألوفة.
تقف ((أنت منذ اليوم)) عند هزيمة يونيو، وتهدف إلى القاء الأضواء على اسبابها، ومع أن بناءها ينهض على أسلوب جديد وتقنيات جديدة فإنها تجسيد للتفاعل الجدلي بين التقنيات والأسلوب ووبين الرؤية وهي لا تسعى إلى تجسيد مبدأ الايهام بالواقعية، بل على العكس من ذلك فهي تخاطب القارئ. ولكنها تهدف إلى تنمية قدراته على تفسير الظواهر ((العادية)) وتشكيل الرؤية جديدة لما حياه في الواقع.
فالرواية تعتمد على جمالية التفكك بالدرجة الأولى، أي على جماليات التجاور والتوازي والتزامن، لهذا فإن دلالة الحدث ((أ)) تنبع من مجاورته للحدث ((ب)) فالحدث ((أ)) ليس هو السبب في وجود ((ب)) كا أنه ب ليس نتيجة لوجود ((أ)).
فالحدث الأول في الرواية وهو قتل (القطة)، يصاغ بلغة تصويرية تجسد الحركة ... وعاجلها على الرأس بضربة أخرى. سمعت صوت تنفسها المختلط بسائل الدم، وانتفضت نفضات سريعة واستلقت على وجنتها على الأرض ...... الخ وتصاغ بقية أحداث الرواية/ لقطاتها المتناثرة المتنوعة بالطريقة ذاتها اذ تأتي متناقلآ بعناية موحية ودالة في ذاتها ودالة من خلال التجاوز أو التوازي أو التزامن.
وقد يبدو الحدث/ أو اللقطة مثل مقتل القطة في الحياة المعيشة بلا دلالة

كما لايمكن أن نقول- للوهلة الأولى- إن بينه وبين هزيمة يونيو علاقة ما، لكنه في الفن يبدو دالا بتفاصيله ومجاورته للأحداث الأخرى.فالرواية تبدأ بمقتل القطة، لكنها تنتقل بعد ذلك إلى الأسرة ((حيث يثني الأب الحزام الجلدي عندما يضرب زوجاته ليكون أشد ايلاما)) ثم إلى الجامعة حيث العراك بين رجال الشرطة والطلبة المتظاهرين ثم إلى الحزب وعلاقته الداخلية ثم إلى أسرة عائشة ..... الخ وتبدو هذه الأحداث مفككه في الظاهر اذ تدور في أمكنة وأزمنة مختلفة. لكن هناك خيطا خفيا يربط بينها هو القمع.
والرواية بلقطاتها وومضاتها المبعثرة تعري المجتمع بفئاته ومؤسساته فهناك سخرية لاذعة تجاه المذياع وبياناته النازية، ونقد لاذع للمؤسسات الدينية وخطباء المساجد وأساتذة الجامعات والنواب وللجيش ولوضع المرأة.
كما تلجأ الرواية إلى الرموز المتناثرة، فاسم الشخصية المحورية ((عربي)) يرمز إلى كل عربي، وتختار للوطن العربي عاصمة رامزة لكل العواصم هي هجير المترامية دوما على أطراف الصحراء.
يمزج التوازي مع الاسقاط التاريخي للإيحاء بدلالات متعددة ... فالجنرال الجديد لم يرم بمكتبة المدينة في النهر كما فعل الجنرال التتري، ربما لأن السرد يوحي بأن الجنرال التتري الجديد، وجد المكتبة العربية اليوم ((فارغة)).
وتجسد الرواية تصوراً جديداً لوحدتي الزمان والمكان، حيث يبدوان ضاغطين على التكوين الذاتي ل((عربي)) فيمتزجان مع الأحداث واللقطات الضاغطة واللافت أن الرواية- التي صدرت عام 1968 أي بعد الهزيمة بعام- تنتهي بومضات متناثرة حول ((عصور الظلمة)).
((.... لكن المسألة في أنه شعب انتدب ليحارب من أجل أن يظل الرنين الغريب كما قال معلم التاريخ للصغار: الفترة الممتدة مابين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين هي المعروفة باسم عصور الظلمة)). وعصور الظلمة على حد تعبير السرد الروائي- لكلمتان مذلتان، لكنهما تدفعان- القارئ- دفعا للتفكير في النور الذي سبق هذه العصور، وفي النور الذي يتبعها أو سيتبعها.(36)

رواية الوقائع الغريبة لاميل حبيبي- أن المتعة في روايات أميل حبيبي يلمح اعتمادها على المفارقة، من العنوان حتى الموضوعات والصور الوصفية والسردية كما تظهر هذه المفارقة بالنسيج اللغوي والبن+اء الفني.
الوقائع الغريبة في اختفاء أبي النحس المتشائل،، هي رواية غنية بأحداثها وأفكارها وشخصياتها وتفرعاتها وأساليبها، وتقنياتها، ويعتبر تلخيصها أمر صعب لأن بناءها لا يعتمد على حدث مركزي تتفرع منه أحداث فرعية كما أنها لا تعتمد على البناء التقليدي مثل البداية والذروة والنهائية تتكون من 140 صفحة من القطع المتوسط وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام يسمى الكاتب كل قسم بكتاب وكل قسم أو كتاب له عنوان، فالكتاب الأول عنوانه ((يعاد)) والثاني عنوانه ((باقية)) والكتاب الثالث عنوانه ((يعاد الثانية)). وكل كتاب أو قسم يضم عدداً من المشاهد وكل مشهد يحمل رقما او عنوانا، والكتاب يضم عشرين مشهداً.
نالت الوقائع الغريبة في اختفاء أبي النحس المتشائل اجماعا واسعا حول اهميتها شكلا ومضمونا، وقد ترجمت إلى ست عشرة لغة من اللغات الاوروبية وغير الاوروبية، وتلمس فيها قدرة حبيبي الكبيرة على الإفادة من التراث الأدبي العربي، والبراعة في مزجه بالأساليب المعاصرة في الفن الروائي ففي هذا العمل يعود إلينا أسلوب المقامات الذي توقف نهائيا منذ زمن طويل بشكل عصري ومضمون سياسي ملتزم وجاد، يعري أوجه التخلف، ويحاول التغيير والتجاوز، ويقدم عمله على شكل رسائل يبعثها سعيد المتشائل إلى صديقه الراوي الذي يلقب بالمحترم ويبعثها على طريقة مقامات الهمذاني ويبدأ كل قسم من أقسام الرواية بقوله: كتب الىّ سعيد أبي النحس المتشائل قال:...........
ونلاحظ من البداية التضاد وخصوصا بين السعادة والنحس، ويخرج البطل في هذه الرواية عن المألوف فليس المتفائل نسخة مكررة لبطل المقاومة النمطي، أنه نموذج آخر ومناقض له تماما. سلبي ومن الخارج يبدو وشديد التكيف مع الشروط الجديدة، وان عجز في النهاية عن تحقيق التلاؤم مع الواقع الجديد رغم سلسلة التراجعات والتنازلات. وحول اختياره لهذه الشخصية, يقول: كان هدفي باختصار هو تخليص المظلوم من مصيبة توهم (القوة في ظالِمهِ)، ولذلك اخترت شخصية

سلبية لتكون بطل الرواية ((شخصية)) جمعت فيها كل العيوب التي أريد محاربتها ولكن بطبيعه الحال كان من الضروري أن أضفى الصفات الإنسانية على هذه الشخصية حتى يصبح واضحا أنها ليست فريدة.
والوقائع التي تقع لهذا البطل ومن يتفاعل معه فهي غرابة، وهي غرابة يتكيء عليها حبيبي في الغوص في جوهر الأحداث حين يبني روايته ولكن في ملامح أقرب ألى ملامح الدراويش والبسطاء.
يتكيء حبيبي على تراثنا العربي كحكايات جحا. ولعلَّ اتكاءه على هذا التراث يكون مرده ما يحس به الشعب الفلسطيني من تهديد مستمر باقتلاع جذوره وحين تسير في أجواء الرواية التي تمتد زمنيا منذ عام 1948 ولغاية عام 1976 نجدها تزداد اتساعا من خلال ربط وقائعها وأحداثها التي تمر بالأشخاص بفترات تاريخية سابقة، إما طبقا لقانون التداعي أو انطلاقا من سرد التفاصيل المتعلقة بأبي النحس، ففي المجال الأول يعود الكاتب إلى عهد الحروب الصليبية وبالذات إلى عهد صلاح الدين الأيوبي وإلى تاريخ عكا وعهد الانتداب، غير ان هذه الرواية رغم اعتمادها على التاريخ فإنها ليست تاريخية وهي اذا تستعيد صوراً متناثره من التاريخ القديم والحديث، فلكي تجد فكرة أو رؤية للتاريخ ومعطياته.
ويتابع أميل حبيبي رحلته مع أبي النحس المتشائل وخذلانه واذا به يبحث عن مخلص آخر فتذهب عيوبه إلى الأفق تبحث في السماء عند كنز الخلاص. وهو في هذا البحث يخرج عن تقاليد عائلته التي تبحث عن كنز خلاصها بين أقدامها، وهنا تبرز سخرية الفنان وهو يكشف عن جوهر التناقض بين العلم والغيب من الذين يسخرون معطيات العلم من أجل الوصول إلى الغيب.
وينتظر أبو النحس المتشائل من القوى الاعجازية أن تبدل حياته، لأنه في طبيعة حياته يثمن الذي يعجزون عن إيجاد الحل الموضوعي. ثم يلتقي وهما بالكائن الغيبي حيث يعبر عن رغبته في الخلاص، وهذا الكائن الغيبي هو نموذج المُخلص الميثولوجي في تراثنا، وهو نقيض الخلاص الفعلي ومأوى العاجزين لأنهم غير قادرين على المواجهة وفعل التغيير الذي يكفل تحقيقه الخلاص، ويقول الكائن الغبي لسعيد: (( هذا شأنكم هذا شأنكم ! حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره لأنكم تعلمون انه باهظ، تلجئون إلىَّ.

وتستمر رغبة اميل حبيبي في توظيف هذا الكائن الغيبي من أجل الخلاص، ويدرك أن سعيد في طبيعة تكونيه شخص عاجز عن الفعل الثوري ومحبط لا يستطيع ايجاد المخلص الموضوعي لهذه الأرض، لان اختياراته منذ البداية كانت غير موفقة، ولذلك لا يجد وسيلة له إلا الخلاص بالغيب ليخفى به عجزه وهذا ما يؤكده بقوله ((...آخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة وآخرون بالفلسفة.
أن اختيار طريق الخلاص ليس أمراً قدريا يتجاوز الإرادة الإنسانية، لأنه الإنسان هو الذي يختار طريق خلاصه بإرادته، اذ ليست للقوى الغيبية أية قوة تأثيرية تشد الآخرين إليها، وإنما تخضع المسألة برمتها لارادة الإنسان الذاتية، وحتى المخاض الغيبي/ رجل الفضاء يعبر عن هذا الاختبار قبل أن يأخذ سعيد معه إلى عالم الميتافيزيقي، غير ان هذا الطريق لا يقوده إلى الخلاص، بل إلى العزلة والجنون والموت، ثم ينفى اميل حبيبي فكرة الخلاص الميتافيزيقي، فهذا العالم ليس له وجود إلا في الخيالات الجامحة المجنونة.
هذه السخرية وهذا التناقض يبرزه حبيبي في الرواية يوضح الواقع المصطبغ بالسواد وقد قام بإماطة اللثام عن المتناقضات من خلال توظيف الساخر ليأخذ دلالته من ارتباطه بشرطه التاريخي.
وتأتي الكتابة الساخرة عند حبيبي على شكل مقامات تعكس الواقع الأسود الذي يثير ضحكا مؤلما، وفي الوقت ذاته يوازي الوقائع المعاشة, أما أنا فأول إنسان انقذه هو حمار محزن لا يسابق ريحا ولا يبغم، فأنا إنسان فذ وقد يكون الفضائيون اختاروني على ذلك هذه الشخصية نموذج السخرية لم تسخر وإنما كانت تثير تساؤلات من خلال لغة السخرية.
أما الأشكال والأدوات التي يلجأ إليها حبيبي فهي الرصيد التوثيقي للأحداث الواقعية التي جرت في تاريخ قريب، ويدمجها في سياق الرواية والمقارنة التاريخية حين تتداخل أحداث التاريخ القديم مع أحداث ووقائع حديثه، ويبرز التناقض بين هذه الأحداث، وتاريخ فلسفية مخضب بالدماء واليهود طارئون. ويضاف الأشكال والأدوات المقارنة الأدبية حيث يفيد حبيبي من قراءاته الأدبية فيسند وجهة نظره بأبيات من الشعر أو الأقوال أو الحكايات ومن ذلك الفصل الخاص حول الشبه الفريد بين كنديد وسعيد حيث يعقد المقارنة مع قصة فولتير الشهيرة فنجد أحداث رواية فولتير شبيهة لها.

ومستوى الوقائع تتحدث عن الرواية في ظل (اسرائيل) كما تجد بعض الشخصيات الروائية في تلك الرواية المتشائل، من مثل شخصية بنغلوس في رواية فولتير التي تجد قرنيتها في شخصية بيغال الون الذي يبرر أعمال القمع الاسرائيلي، بقصف المخيمات وقتل الأطفال والنساء بأنه انتقام لمقتل الرياضيين في ميونخ، ألم يجتمع الوزير بنغلوس بأرامل رياضيينا المغدورين ويعزيهم بأن طائرتنه أصابت الهدف إصابات محكمة وفعلت فعلا عظيما.
يستطيع اميل حبيبي استخدام اللغة بطريقة ابلاغية واستعارية في آن واحد وان الفصل بين المفردة ودلالاتها الإبلاغية وطرحها في أفق رمزي يغنيانها على الصعيد الفني ويكسبانها المزيد من الدلالات اللغوية، كما أنه يتسم بولع ازدواجية المفارقة من مثل ((فانتصب واقفا والماءان يتصببان من وجهي ماء الوجه وماء المرحاض، كما يستخدم بعض الأمثولات القديمة المستقاة من التراث العربي من مثل هذه الأمثولة التي يأخذها عن الجاحظ وفي النص الكثير من الأمثولات التي ينهض بعضها على قصص واقعية من مثل قصة ثريا العروس التي داهمتها النكبة فدفنت حليها في صفيحة في جدار دارها في اللد، ونزحت مع النازحين وتقول: غداً اعودوفي صيف عام 1971 عبرت الجسر وحينما أرادت أن تدخل بيتها القديم في اللد لتنتشل كنزها أغلقت وريثتها الشرعية من عهد نوح الباب في وجهها ولم تتفاجأ حيث ان ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، فنصحها ذوو القربى المقيمون في اسرائيل ان تلتجيء إلى الشرطة (الاسرائيلية) وأشارت إلى مكان الجدار فحفروا عميقا فوجدوا المفتاح فهللوا وكبروا، واغر ورقت عيون الجميع، ولكنه حين مدت الأم الثكلى الثريا، يدها لتطول مصوغات عرسها، ناولها الرجل القيم على أراضي اسرائيل ((شهادة بالذهب)) وأخذ الذهب وذهب، وأما الثريا فاخذت شهادة الذهب وذهبت عبر الجسور المفتوحة راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات.
وتميز أسلوبه الساخر بألفاظه المتضادة الدالة المنحوتة والمحورة والغريبة فضلا عن دلالة الأسماء ورموزها يعاد وباقية وولاء وفتحي ونابلس تظل نابلس على الرغم من تغيير اسمها إلى شخيم، وان مرج بن عامر الى سهل يزرعيل. نجد إحالات على شخصيات تاريخية وأدبية ومقتطفات من

من أشعار فلسطينية وكتابات تراثية من الجاحظ وحتى محمود درويش ومن تيمور لنك حتى صلاح الدين ومن بيبرس حتى فيصل الأول.
يوظف أساليب فنية حديثة من مثل التداعي وتيار الوعي والتذكر والاسترجاع والمقابلة.
استطاع اميل حبيبي في هذه الرواية أن يمزح الكل بالواحد، والقديم بالجديد والمحلي الفلسطيني بلإنساني والشرقي بالغربي.
ويكشف في رواية ((سرايا بنت الغول في جزئها الثاني عن خوفه من ألا  يمهله الموت لإكماله، حينما يقول: (( إلى متى تطلبون منهم يا أحبائي الأحياء منهم والغائبين التمهل لإنجاز هذه الخرافية؟
وتستمر الصور والحكايات الصغيرة والذكريات في هذه السرايا التي تنهض على خرافة أسطورية حكتها جدته مريم الحيفاوية له في صيغ وتنويعات لا تنتهي، لأن مريم هنا هي الجدة الفعلية للبطل/الرواي/ الكاتب وهي الجدة الاستعارية للكاتب القاص الذي ينحدر من أصلاب شهرزاد مؤسسة القصة الأولى.
يتحدث عن جدته التي شاخت ولم يبق لها سوى أحفادها تحكي لهم حكايتها حتى يناموا ويكشف لنا اميل حبيبي في هذا القسم عن سر السرد عنده، وعن أهم خصائصه وهي التوالد المستمر للحكايات من رحم بعضها بعضا، وهذه البنية التوليدية مفتوحة في مقابل بنية السرد المغلق ذي البداية والوسط والنهاية، والعلاقة بين الغول والسرايا في الرواية علاقة مفارقة، والغول المستعمر الاستيطاني في حين تتمثل في الرواية بمجملها علاقة عضوية بين الفلسطيني وأرضه وحبيبي يحول فضاء الرواية إلى مايمكن أن تكون عليه البنية التحتية للهوية الفلسطينية، تاريخها وجغرافيتها وموروثها الشفهي وعاداتها وخرافاتها وأساطيرها وثقافتها الشعبية وحكمتها اليومية ومعرفتها المختزنة فيما يتعلق بصعد الحياة كافة، الزراعة والنوادر والأمثال، وتتحول ((سرايا بنت الغول)) إلى سجل يمكن أن يطلق عليه الجغرافية المنسية أو كما يقول نص حبيبي نفسه ((البلاد ((اشتاقت)) اشتاقت لأهلها))
وظهرت الرواية ((اخطية)) في شكل دفاتر ثلاثة، وقد أفاد في الدفتر الأول من التراث سواء أكان هذا التراث من مروج الذهب للمسعودي أم ماتوصيه الف ليلة وليلة. ويرسم في روايته جغرافية دقيقة لمدينة

حيفا بأسمائها القديمة التي تقابل ماتغير لأن الاسم يهم، ولأن سياسة الاحتلال تقوم على تغيير كل المعالم الجغرافية فضلا عن طمس الأسماء تكشف الرواية عن العنصرية الصهيونية ومظاهر السلوك والتحقير الذي تمارسه القمعية الصهيونية، كما تنطلق من قناعاتها من الإيمان بالغيبيات واذا كانت الديانة الصهيونية خاصة بما طرأ عليها من إضافات تعطي اليهود صفة الانسان المتميز عن غيره، فإن العنصرية تضيف إلى ذلك غيبيات أخرى، ويبقى اليهودي يحس أنه الأفضل والأقوى.
ويصر حبيبي في أخطية على استعادة كل ما يتعلق بحيفا قبل عام 1948، وينطلق في هذه الاستعارة في حنين كبير إلى حيفا أيام العرب بسبب احساسه بالفارق الكبير بينها وبين حيفا اليوم.
يؤكد حبيبي على التصاق العربي بأرضه، والحبيب بحبيبه الأول فأخطية الحبيبة هي أخطية الحبيبة الدائمة وتبقى إخطية أجمل الحبيبات الضائعات اللاتي يبحث عنها محبوها ولا يجدونها وهي بينهم، ويكشف حبيبي الواقع المؤلم من ان خطية الحبيبة الوحيدة لا تستطيع المشي ولا النطق وان هذه المفاجأة ظلت سراً طويلا لا يعرفه إلا سروة ولا يزال.
أحيا فينا التراث الأدبي والحضاري واللغوي، لذلك نجده لا يتلاعب بالمفردات اللغوية واشتقاقاتها ودلالاتها ويحثنا على عدم الوقوف عند اللفظة المفردة، وحين يضمن أخطية بالكثير من الأشعار والقصص الأدبية لا يهدف إلى الاطناب وإنما لنعرف تراثنا الفكري والأدبي والحضاري.
هذا هو اميل حبيبي الروائي الفلسطيني الذي التصق بأرضه وبيئته ومثلها في نتاجه بوعيه ومشاهداته وخبراته وتجاربه وابداعاته.

﴿الخاتمة﴾
تفوقت الرواية العربية كفن نثري على يد المبدعين العرب، فأصبحت تضاهي الرواية الغربية كفن روائي له سماته وخصوصيته وموضوعاته فها هو الروائي العملاق نجيب محفوظ يبحر بالرواية العربية إلى العالمية فينال عن روايته أولاد حارتنا جائزة نوبل العالمية.
لقد باتت الرواية العربية تشكل محتويات المشهد الروائي العربي فهي لسان حال الأمة العربية، ومستودع آمالها وآلامها وديوان جديد لها.
واذا تأملنا حركة الرواية العربية نجدها في نشاطها تفتح دوما مجالات وميادين جديدة. تستلم تقنيات جديدة متجددة، فنجيب محفوظ الذي كتب رواياته الواقعية مثل (خان الخليلي) و (زقاق المدق) و(القاهرة الجديدة) و ( بداية ونهاية) و (الثلاثية) راح يفتح آفاقا واعية على اتجاهات التحليل النفسي والعبث اللامعقول والرواية الجديدة فالرواية العربية قادرة على التطور والتغير والتأثير والتأثر.
ولكنها لم تستطع أن تخلق جمهوراً عريضا قارئا يستجيب لحركة الرواية ويؤثر فيها ذوقا واتجاها وتقويما.
وزبدة القول: إن الرواية من حيث هي محاكاة للواقع أو نتاج للخيال لا حدود لها من حيث التصنيف ولا من حيث المدى، المتسع لاحتمال المزج بين الفنون الادبية، وسبب ذلك أن الرواية تتسع لفنون من القول كثيرة ففيها من الشعر شيء ومن القالة ومن الخبر الصحفي شيء، ومن الوصف ونشر الرحلات والمذكرات شيء أو فيها من النثر كل شيء. (*)
وفن مثل هذا الفن ذو طبيعة مركبة متنوعة يصعب أن يوضع له تصنيف ثابت مانع لأي تصنيف طاريء.
واخيراً:- فأكثر ما أخشاه على الرواية العربية أثر النشر الالكتروني في حركة الأدب ولاسيما من ادخال عامل جديد في اطار عملية التلقي اذ ظهر ما يُدعى بالأدب التفاعلي الذي يتوجه به المبدع مباشرة إلى القارئ ويجعله شريكا في عمله.

المراجع:
1.    الدكتور ابراهيم السعافين، الرواية العربية تبحر من جديد- الطبعة الأولى 2007- دار العالم العربي للنشر والتوزيع دبي.
2.    الدكتور ابراهيم السعافين، الرواية في الأردن- منشورات لجنة تاريخ الأردن- سلسلة كتاب، الأم في تاريخ الاردن (31).
3.    الصادق قسومة، نشأة الجنس الروائي بالمشرق العربي، دراسة في صلة الرواية بمعطيات الفكر والحضارة- الطبعة الأولى- دار الجنوب للنشر 2004م.
4.    سعيد يقطين، قضايا الرواية العربية الجديدة، الوجود والحدود رؤية للنشر والتوزيع- 2010م.
5.    الدكتور شكري عزيز الماضي- أنماط الرواية العربية الجديدة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب- دولة الكويت 2007م.
6.    الدكتور شكري عزيز الماضي ود. هند أبو الشعر- الروية في الأردن، منشورات جامعة آل البيت المفرق.
7.    الدكتور عبد الرحمن ياغي- في الجهود الروائية من سليم البستاني إلى نجيب محفوظ- الناشر دار الفارابي- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى 1999م.
8.    الدكتور علي الراعي- دار المستقبل العربي، الطبعة الأولى 1991م الرواية في الوطن العربي الصقر العربي للابداع,
9.    الدكتور علي جابر المنصوري- النقد الأدبي الحديث- دار عمار الطبعة الأولى- 2000م- عمان- الأردن.
10.                       الدكتور علي جواد الطاهر- مقدمة في النقد الأدبي- منشورات المكتبة العالمية بغداد- الطبعة الثانية 1983م.
11.                       الدكتور عماد الخطيب في الأدب الحديث ونقده- دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة- الطبعة الأولى 2009م- الطبعة الثانية 2011 عمان- الأردن.
12.                       الدكتور نضال الشمالي- الرواية والتاريخ- عالم الكتب الحديثة اربد- الأردن- جدارا- للكتاب العالمي للنشر والتوزيع- عمان- الطبعة الأولى 2996م.

الدوريات:
1.    الدكتور محمد أحمد القضاة- روايات اميل حبيبي استلهام التراث القصصي- دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية- المجلد 26 العدد (2)- 1999م.
2.    الدكتور ابراهيم خليل- قراءة الرواية وأسطورة المعنى- عمان العدد 157- تموز-2007م.
3.    الدكتور رفقة دودين- رواية النص وتوظيف العجائبي مجلة عمان- العدد 83.
4.    فقرة من الNET. يوثقها كاتبها من كتاب دراسات في القصة والمسرح- محمود تيمور- القاهرة بدون تاريخ.
ومطالعات في الأدب المقارن – د. عدنان محمد وزان- الدار السعودية للنشر. بدون تاريخ